حق عودة اللاجئين الفلسطينيين

حق عودة اللاجئين الفلسطينيين

حق العودة: الأساس القانوني والسياق التاريخي والسياسي

مدخل

ظلت فكرة العودة بالنسبة للفلسطينيين القوة المحركة للنضال الوطني الفلسطيني المعاصر طوال العقود التي تلت النكبة. وقد تكرست فكرة التعارض الرمزي بين فكرة العودة وواقع اللجوء في الخطاب السياسي الفلسطيني وفي الوجدان الشعبي الفلسطيني على حدّ سواء، حتى إن المجلس [المؤتمر] الوطني الفلسطيني الأول في القدس (1964) استخدم مصطلح "عائدون" عوضاً من "لاجئون" في وصفه للفلسطينيين المقتلعين من أرضهم قبيل العام 1948 وبعده. فالحنين إلى الدار والعودة إليها فكرة متأصلة في الوجدان الشعبي الفلسطيني، وما أنفكّ الفلسطينيون في المنافي يعبرون عنها في أشعارهم وحكاياتهم الشعبية وفي مواوليهم وأغانيهم الفولكلورية، ومنها هذه الأغنية:

يا دار نذرٍ عليّ يا دار/ لو عدنا كما كنّا/ لاطْليك يا دار/ بعد الشيد بالحنّا.

وفي سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي شاع استخدام مصطلح " العودة" واشتقاقاته في الحياة اليومية للفلسطينيين، فكانوا يرددون في المناسبات الاجتماعية عبارة "في العودة" تعبيراً عن الامتنان؛ ويردون على تهاني العيد بالقول "عيدنا يوم عودتنا". ومن منّا نحن أبناء ذلك الجيل من اللاجئين الذي درس في مدارس الأونروا آنذاك لا يتذكر "قسَم العودة " الذي كنّا نردده كل صباح مع تحية العلَم قبل الدخول إلى غرف الدرس: "فلسطيننا لن ننساك/ ولن نرضى وطناً سواك"، أو " نشيد عائدون"الذي كان بمثابة " النشيد الوطني" الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة:

عائدون..عائدون/ إننا لعائدون/ فالحدود لن تكون/ والقلاع والحصون/ فاصرخوا يا نازحون/ إننا لعائدون.

وهذا النشيد قصيدة مغنّاة للشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد (1927-2020).

مصادر حق العودة في القانون الدولي

يحدد جون كويغلي مصدرين أساسيين لحق العودة في القانون الدولي، وهما: القانون الدولي لحقوق الإنسان Human Rights Law والقانون الدولي الإنساني Humanitarian Law. هذا فضلاً عن قانون الجنسية Law on Nationality  (Quigley 1999: 193,198 ).

بخصوص المصدر الأول؛ فحق العودة مكرّس في أغلبية الوثائق الدولية والإقليمية التي يتكون منها القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأهمها:

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) The Universal Declaration of Human Rights؛

العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1966) The International Covenant on Civil and Political Rights؛

المعاهدة الدولية لاستئصال كافة أشكال التمييز العنصري (1965) The International Convention on the Elimination of All Forms of Racial Discrimination؛

المعاهدة الأمريكية لحقوق الإنسان The American Convention of Human Rights؛

الشرعة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب The African Charter on Human and Peoples’ Rights؛

البروتوكول الرابع في الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسيةProtocol no. 4 of the European Convention for the Protection of Human Rights and Fundamental Freedoms.

هذه الوثائق مجتمعة تؤكد حق كل شخص في مغادرة أي بلد بما فيها بلده والعودة إليه، ولا تجيز للدولة حرمان أي شخص لدواع عرقية أو إثنية من حق "العودة إلى بلده"، كما لا تجيز طرد أحدهم من إقليم دولة هو من رعاياها ولا حرمانه من حق العودة إليه. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الوثائق استخدمت تكراراً عبارة "البلد" country وليس " الدولة" state توخياً لعدم اصطدام حق العودة بترتيبات الجنسية.

وبخصوص القانون الإنساني؛ يتعامل هذا القانون مع العائلات التي تشتتت نتيجة لأعمال الحرب. ويضمن مجموعة من الحقوق للأشخاص الذين يعيشون في المناطق الواقعة تحت الاحتلال، ومنها حق العودة. وذلك وفق المادة (43) من مواثيق لاهاي بشأن قانون الحرب Hague Regulations on Law of War ومعاهدة جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية المدنيين The 1949 Geneva Civilians Convention

خلق مشكلة اللاجئين ونشوء حق العودة

نشأت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين قبيل العام 1948 وبعده نتيجة للحرب الإسرائيلية/العربية وقيام "دولة إسرائيل" في العام 1948 على أكثر من %78 من أراضي ما كان يعرف بفلسطين الانتدابية آنذاك، وطرد الغالبية العظمى من السكان الفلسطينيين من تلك الأراضي وتهجيرهم وتحويلهم إلى لاجئين في الدول العربية المضيفة وداخل وطنهم. ومن ثمّ تفاقمت تلك المشكلة مع استمرار تدفق موجات اللاجئين وتزايد أعدادهم عندما تمكنت إسرائيل لاحقاً من الاستيلاء بالقوة على ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية، أي الضفة الغربية وقطاع غزة في حرب العام 1967. فضلاً عن ذلك تتسبب السياسات الإسرائيلية الكولونيالية المطبقة ضدّ المواطنين الفلسطينيين في فلسطين المحتلة منذ العام 1948 وفي مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلتين منذ العام 1967 في توليد مجموعات إضافية من اللاجئين والمهجرين داخلياً.

وبخلاف مزاعم إسرائيل بأن هجرة الفلسطينيين من وطنهم كانت طوعية، يؤكد العديد من الأكاديميين المعنيين بدراسات الهجرة أنها كانت هجرة قسرية نتيجة لما قامت به إسرائيل آنذاك من تطهير عرقي وإجلاء للسكان عن طريق القوة والترهيب والمجازر. وفي هذا الصدد يجادل تيسلر Tessler بأن أسطورة الخروج الطوعي للفلسطينيين من بلادهم عام 1948 أصبحت ذريعة إسرائيل الرئيسية للتهرب من تحملها ولو مسؤولية جزئية عن خلق مشكلة اللاجئين، هذا ناهيك عن مسألة حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة (Tessler1994: 118 ).

وحسب روبين كوهين أدى إنشاء " وطن" لليهود من ضحايا الاضطهاد النازي في أوروبا، إلى تشريد الفلسطينيين خارج وطنهم في الوقت عينه، وإلى نشوء ما أسماه بواحدة من "دياسبورات الضحايا" Victim Diaspora حيث يعتبر كوهين أن وصف "الضحية" ينطبق بشكل أساسي على الشتات اليهودي والفلسطيني والأيرلندي والأفريقي والأمريكي   (Cohen1977:31,51).

قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (194)

بعد نحو عام من صدور قرار التقسيم 181 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة (29 /11/1947) أصدرت الجمعية العامة، بناءً على توصية الوسيط الدولي الكونت برنادوت قرارها الشهير رقم (194) المتعلق بحق العودة (11/12/1948).

وتنصّ الفقرة 11 من القرار المذكور، حسب الترجمة الرسمية العربية المعتمدة من قبل الأمم المتحدة، على ما يلي:

تقرر [الجمعية العامة للأمم المتحدة] وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم، وعن كل مفقود أو مصاب بضرر،عندما يكون من الواجب، وفقاً لمبادئ القانون الدولي والإنصاف، أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة.

وأنشأت الجمعيّة العامّة بموجب القرار 194 نفسه لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين UNCCP لتكون بمثابة آلية تنفيذية لتطبيق القرار. وهي آلية فريدة هدفها البحث عن حلول دائمة لقضية اللاجئين الذين شردوا من ديارهم عام 1948. وحددت صلاحيات اللجنة بتسهيل عودة اللاجئين وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي ودفع التعويضات لهم. ومن الناحية العملية توقفت اللجنة عن عملها في البحث عن حل دائم عام 1952 بسبب فشل جهود حلّ القضية الفلسطينية آنذاك، واقتصر عملها منذ ذلك التاريخ على حصر أملاك اللاجئين الفلسطينيين وتقدير قيمتها. وقد قامت بعمل كبير في هذا المجال.

وبموجب الصلاحيات الممنوحة للجنة التوفيق، وفق الفقرة 12 من القرار عينه، قرّرت لجنة التوفيق (23/8/1949) تشكيل "البعثة الاقتصاديّة للدرس" Economic Survey Mission وأوكلت الأمم المتحدة رئاستها إلى الأميركيّ "جوردون كلاب". عرفت البعثة ببعثة "كلاب"- Clapp. وجاء تشكيلها نتيجة للمأزق السياسيّ الذي وصلته مسألة اللاجئين في مؤتمر لوزان (27 /4- 12/9/1949). وحددت مهامها بضرورة تأمين عمل للاجئين بدل الغوث، بهدف إعادة دمجهم في حياة الشرق الأوسط، وذلك عبر تنفيذ برنامج تنمية اقتصادية بواسطة برنامج أشغال كبرى، والربط بين برنامج الأشغال وبرنامج الإغاثة، مع الإبقاء على الغوث الضروري.

وقد أوصت اللجنة في تقريرها المؤقت (6/11/1949) بإنشاء وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين (الأونروا). وبناء على هذه التوصية أنشأت الجمعيّة العامّة، بموجب قرارها رقم (302) بتاريخ (8/12/1949) وكالة الأونروا. وهكذا ولدت الأونروا كـ "منظمة إنسانيّة" في مخاض سياسيّ، في أعقاب فشل حلّ مشكلة اللاجئين آنذاك.

يجسّد وجود الأونروا في حدّ ذاته المسؤولية الدولية عن خلق مشكلة اللاجئين ووجوب حلها وفق أحكام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وأهمها القرار (194). وقد ارتبطت هذه الهيئة الدولية منذ إنشائها بمعاناة اللاجئين وبحقهم في العودة. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنّ ديباجة القرار رقم (302) الذي تم بموجبه إنشاء الأونروا، تذكِّر بأحكام الفقرة رقم (11) من قرار الجمعيّة العامّة رقم (194). وفي السياق عينه، أكّدت الفقرة رقم (5) من القرار(302) على ضرورة استمرار إغاثة اللاجئين الفلسطينيين، من دون "الإجحاف بأحكام الفقرة (11) من القرار 194".

القرار 194 وحق العودة

صنفت الأمم المتحدة حق العودة كحق إنساني human right من فئة الحقوق غير القابلة للتصرف inalienable. والحق الإنساني غير القابل للتصرف هو الحق الملازم للكرامة الإنسانية، وهو ليس بحاجة لاعتراف الآخر به، وليس بإمكان أحد أن يتصرف به إلغاءً او إنكاراً أو تجييراً أو تبديلاً. لذلك فإن مثل هذا الحق لا يخضع للمساومة أو المقايضة، ولا يتساوى في رتبته القانونية مع أي حق تعاقدي آخر كالتعويض مثلاً.

ولعلّ من الأسباب التي دفعت المجتمع الدولي إلى اعتبار حق العودة من الحقوق غير القابلة للتصرف، ارتباطه بالحق في تقرير المصير، حيث لا يمكن لأي شعب أن يقرر مصيره ما لم يكن موجوداً على أرضه بشكل مادي. وثمة اجتهادات دولية تعتبر الحق في تقرير المصير من القواعد الآمرة في القانون الدولي. والقاعدة الآمرة هي: " القاعدة المقبولة والمعترف بها من قبل المجتمع الدولي، والتي لا تجوز مخالفتها ولا تعديلها إلا بقاعدة آمرة في مستواها". ومن مقتضيات هذا التصنيف أن تصبح القاعدة الآمرة ملزمة لكافة الدول الأخرى، ولها أن تلغي أي اتفاقية دولية أخرى إذا تعارضت معها كلياً أو جزئياً، وفق المادة 53 من قانون المعاهدات الدولية 1969 (al-Masri 2012).

والجدير ذكره هنا أن القرار 194 لم ينشئ حق العودة في الأساس، بل أن هذا الحق مكرس في مبادئ القانون الدولي ويستمد قوته القانونية من تلك المبادئ، وبخاصة الإعلان العالمي، حجر الأساس في القانون الدولي لحقوق الإنسان. وليس من دون مغزى صدور القرار 194 بعد يوم واحد فقط من صدور الإعلان العالمي في العاشر من ديسمبر/كانون الأول 1948، الذي تحتفل به البشرية يوماً عالمياً لحقوق الإنسان.

فما أهمية هذا القرار بالنسبة لحق العودة؛ وما مغزاه؟:

صدر هذا القرار، إثرتقرير لمبعوث الأمم المتحدة/الوسيط الدولي الكونت برنادوت أكد فيه على أحقية الفلسطينيين (كشعب) في العودة إلى ديارهم. فحق العودة وفق القرار 194، عدا عن كونه حقاً فردياً غير قابل للإنابة أو التفويض، هو في الوقت عينه حق جماعي لارتباطه بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، إذ لا يمكن لشعب من اللاجئين أن يمارس حقه في تقرير مصيره من دون تمكينه من ممارسة حقه في العودة. وقد أكدت العديد من قرارات الأمم المتحدة، المصنفة ضمن سلالة القرار 194، هذا الارتباط الوثيق، كما بينّا أعلاه.

صدور القرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وليس عن مجلس الأمن الدولي لا ينتقص من مكانته وإلزاميته القانونية، حيث جرى تأكيده من قبل الجمعية العامة عشرات المرات منذ العام 1948. وهذا التأكيد المتكرر ذو أهمية بالغة لأن الاجتهاد الدولي استقر على أن القرارات التي تصدرها الجمعية العامة للأمم المتحدة وتؤكد عليها تكراراً، وبأكثرية كبيرة - كما هو الحال بالنسبة للقرار 194- تصبح ملزمة قانوناً، لأنها تعكس رأياً عاماً دولياً مستقراً.

يتضمن القرار، حسب تأويل العديد من القانونيين الدوليين، ثلاثة حقوق متلازمة هي: العودة والتعويض واستعادة الممتلكات (return /compensation/ restitution). وكل حق من هذه الحقوق له قواعده وسوابقه في القانون الدولي. وبهذا المعنى لا يعتبر هؤلاء التعويض بديلاً عن حق العودة، كما هو شائع في تأويلات أخرى.

وفي هذا الصدد، يجادل شفيق المصري، أن هذا الاختلاف في التأويل يعود في جزء منه إلى الخلل في الترجمة العربية لنصّ القرار من الأصل باللغة الإنجليزية (نورد النص الإنجليزي هنا لأغراض المقارنة)

 The General Assembly: “Resolves that the refugees wishing to return to their homes and live at peace with their neighbors should be permitted to do so at the earliest practical time, and that compensation should be paid for the property of those choosing not to return and for loss of or damage to property which under principles of international law or in equity, should be made good by the Governments or authorities responsible.

بإجراء المقارنة نجد أن عبارة الممتلكات وردت مرتين في النصّ الإنحليزي في حين لم ترد سوى مرة واحدة في النصّ العربي. ووفقاً للنصّ الإنجليزي فإن التعويض يجب ان يدفع في حالتين: عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم، وعن الممتلكات التي يفقدها أصحابها والتي تكون مصابة بضرر بعد عودتهم إلى بيوتهم. وإذا كان التعويض، وفقاً للبعض، يحلّ محل حق العودة في الحالة الأولى، فإنه يستحق كذلك عن " أي فقدان أو ضرر لممتلكات الذين يعودون إلى بيوتهم". وبهذا فالتعويض يستحق مرتين وليس مرة واحدة. وهنا يصبح التعويض ملازماً لحق العودة وليس بديلاً عنه. وهذا ما يسقط معادلة " إما العودة وإما التعويض" (al-Masri 2012).

وبذلك، يؤكد القرار 194 مبدأ الخيار الحرّ للاجئ individual refugee choice. ولا معنى لهذ المبدأ إن لم يكن حق العودة خياراً متاحاً في الواقع العملي. وإذا ما افترضنا جدلاً أن القرار يخيّر اللاجئ بين الحق في العودة والحق في التعويض، فيجب الاعتراف بكلا الحقين معاً، وإلا فلا معنى لحرية الاختيار!

ينصّ القرار، حسب النصّ الإنجليزي، على وجوب عودة اللاجئين إلى بيوتهم الأصلية – to their homes- وليس إلى أي مكان آخر، بصرف النظر عمّا إذا كانت تلك البيوت في فلسطين المحتلة مذ العام 1948 أم في الأراضي المحتلة منذ العام 1967، وذلك خلافاً للتفسيرات الرائجة في لغة المفاوضات والتي تحصر عودتهم بأراضي "الدولة الفلسطينية" الموعودة. في هذا الصدد فإن الترجمة العربية للقرار مثيرة للالتباس، إذ تعتمد عبارة " العودة إلى ديارهم" بدل عبارة "العودة إلى بيوتهم"، الأكثر دقّة في تحديد مكان العودة وحصره بالبيوت التي اضطروا لمغادرتها في العام 1948.

الموقف الإسرائيلي من حق العودة

من المعلوم أن القرار 194 كان أحد شرطين فرضتهما الجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل قبول عضوية دولة إسرائيل في المنظمة الدولية، وهما الالتزام بأحكام القرار 181/1947 القاضي بتقسيم فلسطين، والقرار 194/1948 المتعلق بحق العودة. وقد قبلت إسرائيل حينها هذين الشرطين. وهذا ما حدا برئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين إلى القول يوماً إن القرار 181 هو "شهادة ميلاد" إسرائيل الوحيدة. فإسرائيل ملزمة بتنفيذ القرار 149 ومسؤولة قانونيا وأخلاقيا أمام المجتمع الدولي، عن موجبات تطبيقه.

ولكن كما هو معروف فإن إسرائيل ترفض منذ العام 1948 وبثبات تطبيق القرار 194 أو حتى الاعتراف بمسؤوليتها القانونية والأخلاقية عن خلق مشكلة اللاجئين. عوضاَ عن ذلك فإن إسرائيل سنّت "قانون العودة" (1950) الذي يسمح بعودة أي مواطن يهودي من أي بلد كان إلى دولة إسرائيل واكتساب "الجنسية الإسرائيلية" تلقائياً فور أن تطأ قدماه أرض فلسطين. وأكثر من ذلك صادق الكنيست الإسرائيلي على ما أسماه "قانون القومية" (2018)، الذي يؤكد "يهودية الدولة" بشكل كامل ويسدّ الأفق أمام عودة اللاجئين، بل يهدد وجود الفلسطينيين كمواطنين في "الدولة" منذ العام 1948. وينطوي هذا القانون على نيّة مبيّتة للتطهير العرقي من خلال تنفيذ مخططات "ترانسفير" جديدة تخلق موجات لجوء جديدة، عندما تسنح الفرصة.

والجدير ذكره هنا أن الهبة الفلسطينية الأخيرة التي غطت كامل أرض فلسطين التاريخية وامتدت تداعياتها إلى كل الشتات الفلسطيني في أعقاب أحداث الشيخ جراح وباب العامود والحرب على غزة (أيار/مايو 2021)، قد أعادت القضية الفلسطينية وقضية اللاجئين وحق العودة إلى واجهة الإعلام الدولي، فبدأ بعض الإعلام الأمريكي والأوروبي الذي عرف بمعاداته لحقوق الشعب الفلسطيني يتحدث عن جذور المشكلة في العام 1948 وحتى عن حق العودة، وعن أن معاناة الشعب الفلسطيني ليست سوى نتيجة لمواصلة التنكر لحقوقه.

في هذا السياق نشير إلى مقالة مميّزة للصحافي الليبرالي اليهودى بيتر بينارت في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان: "يستحق اللاجئون الفلسطينيون العودة إلى وطنهم. وينبغي على اليهود استيعاب ذلك"، ويقول فيها: "إذا لم يكن للفلسطينيين الحق في ذلك، فإننا لا نملك هذا الحق أيضاً" (Beinart 2021).

وفي السياق ذاته حاجج بعض القانونيين الدوليين مثل جون كويغلي بإمكانية إحالة حق العودة، وفقاً لقواعد القانون الدولي، إلى المحاكم الدولية، كما جاء في مقالة مثيرة للاهتمام يجادل فيها كويغلي بأن "أحداث العنف في فلسطين وإسرائيل تلقي الضوء على ضرورة حلّ القضايا الأساسية التي استمرت في توليد الاضطرابات لمدة قرن، وعلى رأسها قضية اللاجئين العرب من عام 1948" (Quigely 2021 ).

قرارات أخرى من سلالة القرار 194

يظل القرار 194/1948 النصّ الأول والأساسي بين مجمل النصوص التي تبنتها الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية الذي يتعامل مع حق اللاجئين في العودة. ولكنه لم يعد القرار الوحيد الذي يتعامل مع حق العودة، حيث تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارات متقدمة بلغت نحو (50) قراراً أكدت فيها على حق العودة وربطته ارتباطا وثيقاً بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. ومن أبرزها: القرار 2535  (الدورة 24/1969)؛ القرار 2649 (الدورة 25/1970)؛ القرار 2672 (الدورة 25/1970)؛ القرار 3089 (الدورة 28/1973)؛ القرار 3236 ( الدورة 29/1974)؛ والقرار 3376 (الدورة 30/1975)

وقد استرعى القرار (3236/1975) بالذات انتباه القانونيين الدوليين أكثر من غيره من القرارات المذكورة.

ينص القرار على ما يلي:

إن الجمعية العامة (...)

1- تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين غير القابلة للتصرف، خصوصاً:

أ. الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي.

ب. الحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين.

2- وتؤكد من جديد أيضا حق الفلسطينيين غير القابل للتصرف في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها وتطالب بإعادتهم.

فما أهمية هذا القرار؟ القرار لا يميز بين لاجئي العام 1948 ولاجئي العام 1967، حيث إنه يتوجه إلى حق اللاجئين الفلسطينيين كمجموعة واحدة، وأكثر من ذلك فالقرار يستخدم مصطلح " الشعب الفلسطيني" بدل مصطلح "اللاجئون الفلسطينيون" (110Zureik 1996:). كما أن  الأمر الحاسم في هذا القرار هو أنه ارتقى بالنقاش من مستوى حق العودة الفردي إلى مستوى حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ويذهب وايس (P. Weiss) أبعد من ذلك حين يصنف هذا القرار على أنه "شرعة حقوق الشعب الفلسطيني" (106Babadji 1996 :).

فضلاً عن ذلك، تكمن أهمية القرار الأخير من سلسلة القرارات المذكورة أعلاه (3376/1975) أنه قد أنشأت بموجبه الجمعية العامة " اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف". وقد أكدت هذه اللجنة في تقريرها الأول الصلة الوثيقة بين حق العودة والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

تبدلات مفهوم العودة في الفكر السياسي لـ (م.ت.ف) وفي المفاوضات

لم تنفصل فكرة العودة عن هدف تحرير كامل التراب الفلسطيني طوال عقد كامل منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) عام 1964 إلى أن أعلن المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 (الدورة 12) ما عُرف بالبرنامج السياسي المرحلي أو " برنامج النقاط العشر" أو "برنامج السلطة الوطنية" الذي مثّل نقطة تحول حاسمة في الفكر السياسي لـ (م.ت. ف). فإلى ذلك الوقت ظلت العودة محصلة طبيعية للتحرير الكامل غير المنقوص عندما يتمّ.

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة كمثال إلى الموقف الصارم الذي أعلنه "المؤتمر الشعبي الفلسطيني" الذي رافق انعقاد الدورة العاشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة (6-12/4/1972) ردّاً على مشروع " المملكة المتحدة "، الذي أعلنه الملك الأردني في (5/3/1972)، حيث أكّد البرنامج السياسي للمؤتمر: أن "حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني يعني تحرير كامل أرض الوطن وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية عليها". وهذا النصّ يربط حق تقرير المصير بالتحرير، أما العودة فتأتي محصلة ضمنية لفعل التحرير، أو معادلاً موضوعياً له.

وفي هذا الصدد يقول رشيد الخالدي: "مع بداية العام 1974 تغير تفكير المنظمة وحدث تحول رئيسي، حيث أعيد تقويم مسألة العودة". وفي السياق ذاته يضيف الخالدي "لم يكن لدى الفلسطينيين في تلك الحقبة تفكير في الحلول الوسط أو الحلول الدبلوماسية، وأن مقومات العودة، على ما يبدو، لم تكن ملحّة بشكل خاص" (Khalidi 1992:34).

في الفترة اللاحقة شهد مفهوم العودة تحولات وتبدلات حاسمة على صعيد الخطاب الفكري والسياسي لمنظمة التحرير، كما تجلى ذلك في دورات المجلس الوطني الفلسطيني اللاحقة، وخاصة الدورة 19 للمجلس الوطني (1988) التي تبنت وثيقتين أساسيتين هما الإعلان ووثيقة الاستقلال، ولم تشر أي منهما من قريب أو بعيد إلى القرار 194 كأساس قانوني لحق العودة. وتجسدت تلك التحولات والتبدلات بشكل جليّ على صعيد الممارسة السياسية، وخاصة في أعقاب انطلاق عملية سلام أوسلو (1993)، وما أعقبها من مبادرات وخطط وتفاهمات رسمية وشبه رسمية طرحت في سياق المفاوضات الإسرائيلية/ الفلسطينية.

ومن أبرز تلك المبادرات:

1- اتفاق بيلين/ أبو مازن (تشرين الأول/أكتوبر 1995): "يحدد اتفاق الإطار هذا عودة اللاجئين إلى الدولة الفلسطينية حصرياً ويحمل السلطة الفلسطينية عبء التعويض عن الأضرار"

2- المبادرة العربية (آذار/ مارس2002): "التوصل إلى حلّ عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، يتفق عليه، وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194". عبارة "حلّ يتفق عليه" يعني إخضاع تطبيق القرار 194 للتفاوض والمساومة.

3- مبادرة أيالون/نسيبة (تموز/يوليو 2002): اعتمدت المبادرة " اعلان النوايا" على ما أسماه سري نسيبة منهجية التفاوض الشفاف" بدلاً من منهجية " الأوراق التفاوضية". ولم يرد ذكر القرار 194 مطلقاً في أي من بنود المبادرة التي نصت في بندها الرابع على ما يلي: "يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى دولة فلسطين فقط، ويعود اليهود إلى دولة اسرائيل فقط".

4- معايير كلينتون (كانون الأول/ديسمبر 2000 ): طرح الرئيس كلينتون هذه المعايير إثر فشل مباحثات كامب ديفيد وتوقفها (تموز 2000) واندلاع الانتفاضة الثانية. وكانت عبارة عن "مبادئ توجيهية" بشأن استئناف المفاوضات حول قضايا الحل النهائي ومنها قضية اللاجئين وحق العودة. ولكن تلك المعايير لم  تخرج عن جوهر الموقف الأمريكي/الإسرايلي في هذا الخصوص.

5- خارطة الطريق (نيسان /إبريل 2003): تستند الخارطة إلى ما سمي "رؤية بوش" الداعية إلى "إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة اسرائيل". وكما في أوسلو أرجأت الخارطة قضية اللاجئين إلى قضايا الوضع الدائم في المرحلة الثالثة والنهائية (2004-2005).

6- تفاهمات جنيف (كانون الأول/ديسمبر2003): ودعت إلى: "حل ’متفق عليه’  لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أساس القرارين 194 و 242 ومبادرة السلام العربية، وإلى تشكيل صندوق دولي للتعويض". ولم يرد مصطلح حق العودة أبداً في هذه الإتفاقية، واستعيض عنه بمصطلح فني بحت هو "اختيار مكان سكن دائم".

7- لقاء أنابوليس (تشرين الثاني/ نوفمبر2007): جاء نتيجة فشل تطبيق خارطة الطريق. وقد استبق إيهود أولمرت اللقاء بمطالبة السلطة بـ "الاعتراف بوجود إسرائيل كدولة يهودية". وأعلن بوش على الملأ أن الولايات المتحدة "ستبقى على التزامها بأمن اسرائيل كدولة يهودية، وكوطن للشعب اليهودي"، ما يعني إسقاط حق العودة.

ظلت تلك المبادرات مجرد محاولات، ولم تتحول إلى واقع متحقق في مسار المفوضات بغضّ النظر عن استعداد المفاوض الفلسطيني من عدمه لقبولها كأساس لحلّ عادل لمشكلة اللاجئين. ولكن ما يجدر تأكيده أن تلك المبادرات تميل بمجملها إلى تفسير القرار194 على أساس التمييز بين المبدأ وتطبيقه، بما يؤدي إلى فصل ارتباط هذا الحق عن فكرة "العدل المطلق"، وإضعاف المرجعية القانونية الدولية لحق العودة، وجعل المفاوضات مرجعية  للحق، بدلاً من أن يكون الحق مرجعية للمفاوضات.

وفي هذا السياق يقول إيليا زريق: يبدو أن الموقف الفلسطيني الرسمي من حق العودة مبني على ردات الفعل، حيث إنه " يستجيب للأزمات والمبادرات الخارجية، لكنه يفتقر إلى برنامج ومواقف واضحة بخصوص مشكلة اللاجئين" (94  Zureik 1996:).

خاتمة

في ظل تواصل الانقسام الحادّ الذي يشهده النظام السياسي الفلسطيني حتى اللحظة الراهنة وفشل جهود المصالحة في رأب الصدع وإعادة بناء مؤسسات (م.ت.ف.) على أسس وطنية ديموقراطية جامعة أصبح المشروع الوطني الفلسطيني في حد ذاته هو المهدد، وليس حق العودة فحسب. وازدادت، بشكل خاص، وتيرة التهديدات والتحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني، وفي القلب منه قضية اللاجئين وحق العودة، منذ أن طرحت إدارة ترامب ما سميّ " صفقة القرن" التي تضمنت، ضمن مسائل أخرى، فرض حلول لقضية اللاجئين الفلسطينيين تتجاوز مرجعيات القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتمحورت حول ثلاثة عناوين مترابطة (تجفيف الموارد المالية للأونروا، إعادة تعريف اللاجئ، فرض التوطين). ولا يبدو أن إدارة ترامب قد غيرت سياستها تجاه الأونروا وقضية اللاجئين، رغم استئناف دعمها المشروط لهذه الوكالة الدولية، وخاصة في أعقاب توقيع هذه الإدارة والأونروا بتاريخ (14/7/2021 ) ما سمي بإطار تعاون بين الطرفين، هذا الإطار الذي فرض شروطاً وقيوداً مجحفة على الأونروا مقابل استئناف التمويل.         

هذه التحديات والمخاطر تتطلب وضع حق العودة، من جديد، في صلب المشروع الوطني الفلسطيني، ما يفرض على الحركة الوطنية الفلسطينية تبني "خطاب عودة" واضح وحازم يتعامل مع جذور الصراع في العام 1948 وليس مع نتائجه المتمثلة في احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967؛ مقاربة مبنية على الحقوق rights-based approach تنطلق من الرواية الفلسطينية للصراع في مواجهة الرواية الصهيونية المضلِلة.