فرانشيسكا ألبانيز: موقف صلب في وجه "إسرائيل"

فرانشيسكا ألبانيز: موقف صلب في وجه "إسرائيل"

 باتت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المستقلة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، رمزاً لشجاعة الموقف، عقب إصدارها تقريراً، اتهمت فيه دولة الاحتلال بارتكاب أعمال إبادة في غزة، ما استدعى تعرضها لتهديدات، حسب ما أعلنت.
ألبانيز، أطلقت يوم 25 آذار/ مارس تقريرا لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، قالت فيه إن إسرائيل ارتكبت ثلاثة أعمال إبادة جماعية وهي: التسبب في أذى جسدي أو نفسي خطير لأعضاء مجموعة من البشر، وتعمد فرض ظروف معيشية على المجموعة بهدف تدميرها الجسدي كليا أو جزئيا، وفرض تدابير تهدف إلى منع الإنجاب داخل المجموعة.

 

وحسب التقرير: «بعد خمسة أشهر من العمليات العسكرية، دمرت إسرائيل غزة».
وبيّن أن «أكثر من 30000 قُتلوا من الفلسطينيين، من بينهم أكثر من 13 ألف طفل، وأكثر من 12000 دفنوا ويُفترض أنهم لقوا حتفهم، كما جرح 71000 شخص، العديد منهم تعرضوا لتشوهات غيرت حياتهم. 70 ٪ من المناطق السكنية تم تدميره، كما أجبر 80 ٪ من مجموع السكان على التهجير القسري».
وأوضح التقرير أن «آلاف العائلات فقدت أحباءها أو تم القضاء عليهم. كثير منهم لم يتمكنوا من دفن أقاربهم والحداد عليهم، وأجبروا بدلاً من ذلك على ترك جثثهم تتحلل في المنازل أو في الشوارع أو تحت الأنقاض».
كما تم اعتقال الآلاف وتعرضوا بشكل منهجي لمعاملة لا إنسانية ومهينة» وفق التقرير.
وقالت المقررة إن «العدد المروع من الوفيات، والضرر الذي يتعذر جبره اللاحق بالناجين، والتدمير المنهجي لكل جانب ضروري لاستمرار الحياة في غزة، من المستشفيات إلى المدارس، ومن المنازل إلى الأراضي الصالحة للزراعة، والضرر الخاص الذي يلحق بمئات الآلاف من الأطفال والأمهات الحوامل والفتيات، لا يمكن تفسيره إلا على أنه يشكل دليلا ظاهريا على نية التدمير المنهجي للفلسطينيين كمجموعة».
وخلص التقرير إلى أن هناك أسبابا معقولة للاعتقاد بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة.ودعت الدول إلى ضمان امتثال إسرائيل والدول الأخرى بالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
ودعت المقررة في تقريرها إلى حظر بيع الأسلحة لإسرائيل وفرض عقوبات عليها.
وتعرضت ألبانيز لهجمات متواصلة من إسرائيل وحلفائها واتهمتها بأنها معادية للسامية، وهو الموقف ذاته التي اتخذته الولايات المتحدة. وفي شباط/ فبراير 2023، دعت مجموعة من 18 عضوا في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي الأمريكيين، إلى عزل ألبانيز من منصبها قائلين إنها أظهرت تحيزاً ثابتاً ضد إسرائيل، فيما تجاهل الاتحاد الأوروبي التقرير ولم يعلق عليه.
المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجريك، ردا على سؤال «القدس العربي» حول موقف الأمين العام من التقرير، قال إن المقررين الخاصين يعملون بصفتهم الشخصية مع مجلس حقوق الإنسان ولا يعتبرون موظفين تابعين للأمم المتحدة.
وردا على سؤال في مؤتمرها الصحافي لإطلاق التقرير حول ما إذا تلقت تهديدات قالت ألبانيز: «نعم تلقيت تهديدات. وطالما تعرضت للتهديدات منذ بدء ولايتي عام 1922». وأكدت أنها لن تخضع للتهديدات».

 

اتهمت دولة الاحتلال بالإبادة الجماعية… وتعرّضت لتهديدات

وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها ألبانيز للتهديدات والمضايقات والمطالبة بطردها من موقعها علما أن العديدين من خبراء حقوق الإنسان قد تضامنوا معها سابقا ولاحقا.
في كانون الأول/ ديسمبر 2022، تعرضت ألبانيز لحملة بسبب تقرير يدين إسرائيل.
آنذاك، صرح خمسة وستون باحثاً في معاداة السامية والمحرقة والدراسات اليهودية: «من الواضح أن الحملة ضد تقرير ألبانيز لا تتعلق بمكافحة معاداة السامية، إنها في الأساس تتعلق بالجهود المبذولة لإسكاتها وتقويض ولايتها، لأنها، كمسؤولة رفيع المستوى في الأمم المتحدة، تقوم بإعداد تقارير عن انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان والقانون الدولي».
وفي كانون الثاني/ يناير 2023، صدر بيان دفاعاً عن ألبانيز من قبل عدد من المنظمات الحقوقية والمؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى.
واختتم البيان بالقول: «إننا نشيد بالجهود الدؤوبة التي تبذلها ألبانيز من أجل حماية حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة وفي رفع مستوى الوعي بالانتهاكات اليومية المثيرة للقلق لحقوق الفلسطينيين. وندعو الدول إلى إدانة هذا العمل السياسي بشدة، إن هذا الهجوم يتم بدوافع تقويض ولاية المقرر الخاص بدل إجبار إسرائيل على الامتثال لالتزاماتها بموجب ميثاق الأمم المتحدة».
ولدت فرانشيسكا في بلدة إريناو إلبينو في إيطاليا عام 1977 (47 سنة) وحصلت على شهادة البكالوريوس في القانون مع درجة الشرف من جامعة بيزا الإيطالية، وعلى درجة الماجستير في دراسات حقوق الإنسان من «جامعة الدراسات الشرقية والأفريقية» ـ «ساوس» لندن، وتعمل الآن على الانتهاء من أطروحة الدكتوراه في القانون الدولي للاجئين من جامعة أمستردام في هولندا.

من هي ألبانيز؟

هي باحثة منتسبة في معهد دراسة الهجرة الدولية في جامعة جورجتاون في واشنطن العاصمة، ومستشارة أولى بشأن الهجرة والتهجير القسري لمركز أبحاث النهضة العربية للديمقراطية والتنمية، حيث شاركت في تأسيس «الشبكة العالمية بشأن القضية الفلسطيني، وهو تحالف من المهنيين والعلماء المشهورين المنخرطين في مجال البحث في «فلسطين وإسرائيل». وفي عام 2020 أصدرت كتابا تحت عنوان «اللاجئون الفلسطينيون في القانون الدولي» (مطبعة أوكسفورد 2020) والكتاب يقدم تحليلًاً قانونياً شاملاً لوضع اللاجئين الفلسطينيين من أصولهم إلى واقع العصر الحديث.
كما عملت ألبانيز خبيرة حقوق الإنسان لمدة عشر سنوات مع مجلس حقوق الإنسان، بما في ذلك «مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان ووكالة إغاثة وعمل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)». وبهذه الصفة، قدمت المشورة للأمم المتحدة والحكومات والمجتمع المدني في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ، بشأن تطبيق معايير حقوق الإنسان، وخاصة بالنسبة للفئات الضعيفة، بمن في ذلك اللاجئون والمهاجرون.
وعينت مقررة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بتاريخ 1 أيار/ مايو 2022، خلفا للكندي مايكل لينك، الذي وصف إسرائيل بأنها تتبع نظام «الأبرتهايد».
وقد دأبت السلطات الإسرائيلية على رفض السماح لها بدخول الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما رفض ممثلو إسرائيل لدى الأمم المتحدة في جنيف مقابلتها أثناء إعداد التقارير ما يعني عدم تعاون إسرائيل مع الأمم المتحدة في مسائل حقوق الإنسان كي تتهم الذين يعدون التقارير بأنهم لم يتشاورا مع الطرف الإسرائيلي.
وبحكم موقعها الحالي كمقررة للأمم المتحدة، انتقدت ألبانيز الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وأوصت في تقريرها الأول بأن تضع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة خطة لإنهاء «الاحتلال الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي ونظام الفصل العنصري». وبعد الغزو الإسرائيلي لقطاع غزة عام 2023، دعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، وحذرت من أن الفلسطينيين في غزة معرضون لخطر «تطهير عرقي جماعي».
وجاء تقريرها الذي صدر في تشرين الأول/ أكتوبر 2022 أن «نظام الفصل العنصري الإسرائيلي قد تشجّع في السنوات الخمس والخمسين الماضية بسبب إذعان المجتمع الدولي والفشل في محاسبة إسرائيل» على أفعالها.
وتشدد على أن «تفكيك الاحتلال الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي وممارسات الفصل العنصري بات أمرا ملحا وضروريا من أجل تحقيق الحق غير القابل للتصرف في تقرير المصير للشعب الفلسطيني، خاصة وأن الإجراءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ترقى إلى مستوى «الاضطهاد» و «العقاب الجماعي» مع محاولة واضحة لمحو الهوية الفلسطينية.
وتقول في تقريرها الأول إن «أكبر معاناة في مجال حقوق الإنسان هي معاناة ما يقرب من 40٪ من الفلسطينيين من اللاجئين وأولادهم وأحفادهم، الذين أجبروا على الفرار من ديارهم أثناء قيام دولة إسرائيل عام 1948، ولعشرات السنين بعد عام 1967 ما زالوا مجبرين على معاناة احتلال استعماري استيطاني بشكل يومي دون أي احتمالات بالعودة إلى ديار أجداده» رغم القرارات الدولية التي أكدت على تلك الحقوق.
وتبين أنه «منذ عام 1967، تدهورت حالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل مطرد، وذلك في المقام الأول نتيجة للانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، بما في ذلك الفصل العنصري والقهر من قبل قوة الاحتلال، إسرائيل، وأن الإجراءات الإسرائيلية ترقى إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة لقوانين حقوق الإنسان الدولية».
وتعتبر تقارير ألبانيز علامة بارزة على طريق فتح آفاق جديدة بناء على تقارير المقررين الشجعان قبلها مثل مايكل لينك وريتشارد فولك، وجون دوغار. وتقاريرها تختلف قليلا حيث تتعمق في جذور المشكلة التي تواجه الشعب الفلسطيني، وتعود إلى الخلفيات المؤسسة للمأساة الفلسطينية وخاصة نكبة عام 1948.
فكثير من محاولات الأمم المتحدة السابقة تعتمد توثيق الانتهاكات الإسرائيلية، إلا أن ألبانيز تمكنت من فهم شامل لجذور القضية، وشددت على ضرورة إجراء تغيير جذري في النهج الدولي تجاه الوصول إلى حل ينهي الاحتلال والاستعمار الاستيطاني.
كما تظهر تركيزا بشكل واضح في تقاريرها على أن الأساليب السياسية والإنسانية والاقتصادية للمجتمع الدولي لحل «النزاع» بين الفلسطينيين وإسرائيل قد فشلت تماما ومن دون استثناء ويجب اعتماد مقاربات جديدة تربط جذور الصراع بالممارسات وبضرورة اتخاذ خطوات عملية تتضمن المساءلة وعدم التطبيع مع الاحتلال».
وتصر ألبانيز على ضرورة استخدام إطار الفصل العنصري (الأبرتهايد) من ناحية وضرورة التركيز على عدم شرعية الاحتلال، كون ذلك أمرا مفصليا لفهم وإنهاء الهيمنة الإسرائيلية على فلسطين، كما أنه يؤكد على «أهمية الحق في تقرير المصير مقابل الاستعمار باعتباره نقيضه كإطار عمل يوفر فهمًا أكثر شمولية ودقة للصراع».
وتشير إلى فشل اتفاقات أوسلو على مدى العقود الثلاثة الماضية، وتدعو إلى تجاوز هذه الحقبة نحو نهج قائم على الحق: «لدينا استعمار استيطاني واحتلال غير قانوني وممارسات فصل عنصري، ويجب ألا ينتهي الجميع بالمفاوضات، فحسب بل بإجراءات دولية إيجابية نحو نهايته».