حتى قبل الرعب الذي نشهد تفجره في غزة منذ نحو أربعة أشهر، كانت فلسطين - وليس فقط غزة - نموذجاً للإمدادات "المقلوبة" للمياه والظلم المستمر في ما يتعلق بالحق في الحصول عليها. فكر فقط في ثلاث حقائق:
أولاً: كانت غزة في يوم من الأيام واحة خضراء، منطقة تتمتع بفائض المياه المحلية والثراء البيئي. "قطعنا سبعين ميلاً من الصحراء - أمر مرهق للغاية. ليس هناك سوى المياه المالحة، وكثيراً ما لا توجد مياه على الإطلاق"، هذا ما قاله نابليون بونابرت بعد رحلته عبر صحراء سيناء في عام 1799، لكن غزة كانت مختلفة: "شجيرات الليمون وبساتين الزيتون والأراضي النضرة مثل مناظر لانغيدوك"، هكذا كتب نابليون لأحد جنرالاته. وأضاف: "مناخها قد يكون مثل مناخ باريس". لكن خلال عقود من العنف الاستيطاني والاضطهاد والفقر، تم تحويل غزة الجميلة الغنية بالثروات الطبيعية إلى منطقة كارثية بيئياً واجتماعياً.
ثانياً: على الرغم من كثافة سكانها الذين يشكل اللاجئون الجانب الأكبر منهم، كان يمكن لغزة بسهولة أن تحصل على ما يكفيها من المياه. في جميع أنحاء العالم، تضطر المناطق الحضرية المشابهة الحجم إلى "استيراد" المياه من خارج حدودها البلدية لتلبية احتياجاتها المحلية من المياه. باريس الحديثة تضطر إلى القيام بذلك. تل أبيب تضطر للقيام بذلك أيضاً. لا تختلف غزة عنهما، باستثناء أنها تُحرم من الإمداد بالمياه، إذ تُعتبر معزولة عن الأرض المحيطة بها وتتجاوزها شبكة المياه المتكاملة لإسرائيل، التي تفضل إرسال المياه إلى مزارع الألبان في صحراء النقب على حساب الفلسطينيين في غزة.
إسرائيل لا تعاني من أي نقص في المياه، بل على العكس، لديها مخزون فائض من المياه ترغب في تسويقه وبيعه - ليس فقط لغزة.
ثالثاً: ما يجعل الأمر أكثر غرابة هو أن الوضع معكوس تماماً في الضفة الغربية التي تتمتع بهطول كميات هائلة من الأمطار، ولديها موارد مائية طبيعية بمقدار أكبر بكثير من غزة، لذا يمكن للضفة الغربية بسهولة التحكم في المياه من دون الحاجة إلى استيرادها من مكان آخر. وبسبب القيود الإسرائيلية على حفر الآبار في جميع أنحاء الضفة الغربية، لا يوجد أمام الفلسطينيين خيار سوى شراء واستيراد معظم مياههم من إسرائيل نفسها.
هذا العالم المقلوب يُجبر رام الله - حيث تمطر السماء أكثر من لندن- على استيراد المياه، ودفع ثمنها لإرسالها صعوداً من إسرائيل. على النقيض، يُجبر هذا العالم المقلوب غزة، الأرض التي لا يمكن لسكانها الحاليين (2.3 مليون نسمة) الاعتماد بشكل على مواردها المائية الداخلية، على الاكتفاء بتلك المياه فقط.
في كلتا الحالتين، فإن نظام الفصل العنصري في المياه تسبب في تدمير الموارد المائية والفقر المائي وازدياد اعتماد الفلسطينيين خاصة في قطاع غزة على المياه الجوفية التي تعاني الملوحة والتلوث، ومع جفاف الينابيع يضطرون إلى الاعتماد على "كرم الضيافة" الإسرائيلي وكرم المانحين. كما ينعكس الفصل العنصري في إمداد المياه على القطاع الزراعي الفلسطيني الذي يعاني تراجعاً، وتترك مجتمعاتُه بدون مياه تكفي لتلبية الاحتياجات المنزلية الأساسية - كل ذلك بجوار إسرائيل، حيث المياه بوفرة.
والأهم من ذلك، تم إرساء هذا الواقع العنصري في التسعينيات، في ظل ظروف التعاون والسلام المزعومة.
إن الحاجة إلى العدالة في المياه لفلسطين أمر مسلم به. لكن هذا لن يتحقق إلا من خلال تفكيك كامل لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي الذي لا يزال يلقى دعماً. وفي حين أن وقف حملة الإبادة الحالية التي تشنها إسرائيل هو - بالطبع- الأولوية الفورية، فإن تحقيق العدالة في المياه لفلسطين سيتطلب الكثير… الكثير جداً.


